كمال الدين دميري

472

حياة الحيوان الكبرى

« كان يحب الحلواء ، ويشرب العسل » . قال العلماء : المراد بالحلواء هنا كل حلو ، وذكر العسل بعدها تنبيها على شرفه ومرتبته ومزيته ، وهو من باب ذكر الخاص بعد العام . والحلواء بالمد ، وفيه جواز أكل لذيذ الأطعمة والطيبات من الرزق ، وأن ذلك لا ينافي الزهد والمراقبة لا سيما إذا حصل ذلك اتفاقا . وفي تاريخ أصبهان ، في ترجمة أحمد بن الحسن ، عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما ، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « أول نعمة ترفع من الأرض العسل » . وكان مالك بن الحارث بن عبد يغوث النخعي الكوفي ، المعروف بالأشتر من شيعة أمير المؤمنين علي رضي اللَّه تعالى عنه ، وكان تابعيا رئيس قومه ، وله بلاء حسن في وقعه اليرموك ، وذهبت عينه يومئذ ، وكان فيمن شهد حصار عثمان رضي اللَّه تعالى عنه ، وشهد وقعة الجمل وصفين . وكان عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه إذا رآه صرف نظره عنه وقال : كفى اللَّه أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم شره . ولاه علي رضي اللَّه تعالى عنه مصر ، بعد قيس بن سعد بن عبادة بن دليم ، فلما وصل إلى القلزم شرب شربة عسل فمات . فلما بلغ ذلك عليا رضي اللَّه تعالى عنه ، قال : لليدين والفم . وقال عمرو بن العاص رضي اللَّه تعالى عنه ، حين بلغه ذلك : إن للَّه جنودا من العسل . وقيل : إن الذي قال ذلك معاوية بن أبي سفيان رضي اللَّه تعالى عنهما . وهو الذي سمه . وقيل : إن الذي سمه كان عبدا لعثمان رضي اللَّه تعالى عنه . وكانت وفاته في شهر رجب سنة سبع وثلاثين . روى له النسائي حديثين . وفي أخبار الحجاج بن يوسف أنه كتب إلى عامله بفارس : أرسل إلي من عسل خلار من النحل الأبكار ، ومن الدستفشار الذي لم تمسه النار . يريد بالأبكار فراخ النحل ، لأن عسلها أطيب وأصفى . وخلار موضع بفارس مشهور بجودة العسل والدستفشار كلمة فارسية معناها ما عصرته الأيدي . الحكم : كره مجاهد قتل النحل ، ويحرم أكلها على الأصح ، وإن كان عسلها حلالا ، كالآدمية لبنها حلال ولحمها حرام . وأباح بعض السلف أكلها كالجرادة ، وهو وجه ضعيف في المذهب . ويحرم قتلها ، والدليل على الحرمة نهي « 1 » النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن قتلها . وفي الإبانة ، في كتاب الحج ، يكره قتلها ، وما ذكره الفوراني في الإنابة من الكراهة وذكره غيره من التحريم مفرع ، على منع الأكل ، فإن أبحناه جاز قتله كالجراد ، وكان القياس جواز قتل النحل ، لأنه من ذوات الإبر ، وما فيه من المنفعة يعارض بالضرر ، لأنه يصول ويلدغ الآدمي وغيره . وقد ذكر الرافعي ، في كتاب الحج ، أنه يجوز قتل الصقر والبازي من الجوارح ونحوها كما تقدم في الكلام عليها ، في أماكنها ، وعلله بأن المنفعة فيها معارضة بالمضرة ، وهو اصطيادها طيور الناس ، فجعلوا المضرة التي فيها مبيحة لقتلها ، ولم يجعلوا المنفعة التي فيها عاصمة من القتل . إلا أنه صلى اللَّه عليه وسلم « نهى عن قتل النحل » « 2 » ، كما تقدم ، ولا شيء في قوله صلى اللَّه عليه وسلم إلا طاعة اللَّه بالتسليم لأمره صلى اللَّه عليه وسلم . وأما بيع النحل ، وهو في الكوارة فصحيح إن رؤى جميعه ، وإلا فهو بيع غائب ، فإن باعها

--> « 1 » رواه أبو داود : 164 . وابن ماجة صيد 10 . « 2 » رواه أبو داود : 164 . وابن ماجة صيد 10 .